ابن عربي

18

كتاب الحجب

الوجود الواجب الحق . وذلك محال في ذوق الكمال ، لأنها ما ظهرت ولا تظهر أبدا ، بل الظاهر إنما هو الحق بأحكامها . وأعظم الحجب عن روية العبودية المثمرة لمعرفة الربوبية ، وحصول الحظوة بالقرب منها هو إعجاب المرء بنفسه ، فإن المرء متى أعجب بعمله ، أو بحاله ، أو بعرفانه ، فقد أحبط عمله ، وأسقط منزلته " « 1 » أمّا حجب العناية الإلهية فهي تتجلى هنا في أروع صورها ، حين يعرض سيدي محيي الدين ابن عربي ما قاله رب العزة سبحانه وتعالى يباهي بالإنسان الذي كرّمه أفضل تكريم ، وقرّبه . فيقول عز من قائل : " " يا ملائكتي ! أنا قربتكم ابتداءا ، وجعلتكم من خواص ملائكتي . وهذا عبدي جعلت بينه وبين " مقام القربة " حجبا كثيرة ، وموانع عظيمة : من أغراض نفسية ، وشهوات حسّية ، وتدبير أهل ، ومال ، وولد ، وخدم ، وأصحاب ، وأهوال عظام . فقطع كلّ ذلك . وجاهد حتى سجد واقترب ؛ فكان من المقربين . فانظروا ما خصصتكم به - يا ملائكتي - من شرف المقام ، حيث ما ابتليتكم بهذه الموانع ، ولا كلّفتكم مشاقها . فاعرفوا قدر هذا العبد . وراعوا له حق ما قاساه ، في طريقه من أجلي . فيقول الملائكة : يا ربنا ! لو كنّا ممن يتنعم بالجنان ، وتكون الجنان محلّا لإقامتنا ، ألست كنت تعيّن لنا فيها منازل تقتضيها أعمالنا ؟ ربنا ! نحن نسألك أن تهبها لهذا العبد فيعطيه اللّه ما سألته فيه الملائكة " " « 2 » . انظر أهمية تخطّي هذه الحجب ، وكيف تصبح في حقك عناية ، وقربا . فراقب ذلك حتى لا تصبح الحجب في حقك غير عناية وبعدا عن اللّه سبحانه وتعالى . عافانا اللّه وإيّاكم من بعد الحجاب .

--> ( 1 ) ثم قسّم الأعمال ، والأحوال إلى ثلاثة أقسام : انظر : معجم المصطلحات والإشارات الإلهية 1 / 222 بتحقيقنا طبعة دار الكتب المصرية ( 2 ) انظر : محيي الدين ابن عربي : الفتوحات المكية : السفر الرابع / 137 الفقرة ( 169 ) من طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب الباب السابع والأربعون ، في معرفة أسرار وصف المنازل ومقاماتها وكيف يرتاح العارف عند ذكر بدايته .